محمد أبو زهرة
2854
زهرة التفاسير
هذا ، ولقد صورهم القرآن الكريم يتقدمون طالبين الماء وبعض هذه الخيرات ؛ ولذا قال تعالى : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ نادوهم مستصرخين من شدة العطش ، وحرارة النار أَنْ أَفِيضُوا ، « أن » هنا تفسيرية ؛ لأن المطلوب هو إفاضة الماء ، فكان المعنى نادوهم : أفيضوا علينا الماء . وإفاضة الماء التوسعة في إعطائه ، ويبدو أن أهل الجنة كانوا في مرتفع تجرى فيه الأنهار والعيون ، وأهل النار في منحدر والماء يفيض من الأعلى إلى الأدنى ، والمعنى لا يمنعونه بسدود ، حتى يفيض عليهم مدرارا ، وينهمر أنهارا . والماء أهم شئ للأحياء ، والصدقة به أبر الصدقات ، وقد سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن أبر الصدقات فقال : الماء ، وهل معنى هذا أن أهل النار كانوا محرومين من الماء حرمانا مطلقا ؟ نقول لا ، بل كان عندهم ، ولكنه حميم ، وغساق يمزق الأحشاء فلم يكن عندهم النمير العذب الذي تجرى به الأنهار وتنضح به العيون . نادوهم ، وفيهم آباء لمن ينادونهم ، وأخلاء في الدنيا ، ولكن الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ، فهي قطيعة بين أهل النعيم وأهل الجحيم قطعوها في الدنيا ، فسجل اللّه تعالى عليهم ذلك في الآخرة . ولقد طلبوا مع الماء شيئا مما هو عند أهل الجنة من طعام شهى ، وفاكهة ورمان ولذا قالوا : أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي أعطاكم من خيرات من لبن سائغ للشاربين ، وعسل مصفى ، وخمر لا غول فيها ولا يصدعون منها ، طلبوا هذا ، ولكن ذلك حرام عليهم ؛ ولذا أجاب أهل الجنة وقالوا : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ . قال أهل الجنة معتذرين عن عدم الإجابة ، أو مقررين الوقائع التي غابت عن أهل النار تحت تأثير العطش الشديد ، والحاجة الملحة إلى الطعام ، وهو أن ذلك